(13)
(ترجمة مسروق رحمه الله)
عن هلال بن يساف قال: قال مسروق: من سره أن يعلم علم الأولين والآخرين، وعلم الدنيا والآخرة، فليقرأ سورة الواقعة.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: هذا قاله مسروق على المبالغة، لعظم ما في السورة من جمل أمور الدارين.
ومعنى قوله: فليقرأ الواقعة -أي: يقرأها بتدبر وتفكر وحضور، ولا يكن كمثل الحمار يحمل أسفارًا.
(14)
(ترجمة مرة الهمداني)
ونقل عطاء أو غيره أن مرة كان يصلي في اليوم والليلة ست مئة.
قال الذهبي:
قلت: ما كان هذا الولي يكاد يتفرغ لنشر العلم، ولهذا لم تكثر روايته، وهل يراد من العلم إلا ثمرته؟
(15)
(ترجمة مطرف بن عبد الله رحمه الله)
قال مطرف بن عبد الله: لأن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا أحب إلي من أن أبيت قائمًا وأصبح معجبًا.
قال الذهبي:
قلت: لا أفلح والله من زكى نفسه أو أعجبته.
(16)
(ترجمة الشعبي رحمه الله)
مالك بن مغول: سمعت الشعبي يقول: ليتني لم أكن علمت من ذا العلم شيئًا!
قال الذهبي:
قلت: لأنه حجة على العالم، فينبغي أن يعمل به، وينبه الجاهل، فيأمره وينهاه، ولأنه مظنة أن لا يخلص فيه، وأن يفتخر به ويماري به، لينال رئاسة ودنيا فانية.
(17)
(ترجمة شهر بن حوشب رحمه الله)
ومن مليح قول شهر: من ركب مشهورًا من الدواب، ولبس مشهورًا من الثياب، أعرض الله عنه، وإن كان كريمًا.
قال الذهبي:
قلت: من فعله ليعز الدين، ويرغم المنافقين، ويتواضع مع ذلك للمؤمنين، ويحمد رب العالمين، فحسن.
ومن فعله بذخًا وتيهًا وفخرًا أذله الله وأعرض عنه، فإن عوتب ووعظ فكابر وادعى أنه ليس بمختال ولا تيّاه فأعرضْ عنه فإنه أحمق، مغرور بنفسه.
(18)
(ترجمة المهلب بن أبي صفرة رحمه الله)
قال المهلب: ما شيء أبقى للملك من العفو، خير مناقب الملك العفو.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: ينبغي أن يكون العفو من الملك عن القتل، إلا في الحدود، وأن لا يعفو عن وال ظالم، ولا عن قاض مرتش، بل يعجل بالعزل، ويعاقب المتهم بالسجن، فحلم الملوك محمود إذا ما اتقوا الله، وعملوا بطاعته.
(19)
(ترجمة أبي قلابة الجرمي رحمه الله)
عن أبي قلابة قال: إذا حدثت الرجل بالسنة فقال: دعنا من هذا، وهات كتاب الله، فاعلم أنه ضال.
قال الذهبي:
قلت أنا: وإذا رأيت المتكلم المبتدع يقول: دعنا من الكتاب والأحاديث الآحاد، وهات العقل، فاعلم أنه أبو جهل، وإذا رأيت السالك التوحيدي يقول: دعنا من النقل ومن العقل، وهات الذوق والوجد، فاعلم أنه إبليس قد ظهر بصورة بشر، أو قد حل فيه، فإن جبنت منه فاهرب، وإلا فاصرعه وابرك على صدره واقرأ عليه آية الكرسي واخنقه.
(20)
(ترجمة أبي العلاء العامري رحمه الله)
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: ينبغي للعالم أن يتكلم بنية وحسن قصد، فإن أعجبه كلامه فليصمت، فإن أعجبه الصمت فلينطق، ولا يفتر عن محاسبة نفسه، فإنها تحب الظهور والثناء.
(21)
(ترجمة يزيد بن المهلب رحمه الله)
وحكى المدائني أن يزيد بن المهلب كان يصل نديمًا له كل يوم بمئة دينار، فلما عزم على السفر، أعطاه ثلاثة آلاف دينار.
قال الذهبي:
قلت: ملوك دهرنا أكرم! فأولئك كانوا [يعطون] للفاضل والشاعر وهؤلاء يعطون من لا يفهم شيئًا ولا فيه نجدة، أكثر من عطاء المتقدمين.
قلـ حسن عبد الحي ـت: ملوك زماننا أكرم وأكرم! فإنهم يعطون المجّان والفسّاق والكفرة الفجرة الألوف والملاين ولا يصلون أهل الله بشيء!
(22)
(ترجمة يزيد بن المهلب رحمه الله)
وقيل له: ألا تنشئ لك دارًا؟ قال: لا، إن كنت متوليًا فدار الإمارة، وإن كنت معزولا فالسجن.
قال الذهبي:
قلت: هكذا هو، وإن كان غازيًا فالسرج، وإن كان حاجًا فالكور، وإن كان ميتًا فالقبر، فهل من عامر لدار مقره؟!
(23)
(ترجمة مسلم بن يسار رحمه الله)
قال ابن عون: لما وقعت الفتنة زمن ابن الأشعث، خف مسلم فيها، وأبطأ الحسن، فارتفع الحسن، واتضع مسلم.
قال الذهبي:
قلت: إنما يعتبر ذلك في الآخرة، فقد يرتفعان معًا.
(24)
(ترجمة إبراهيم النخعي رحمه الله)
قال أبو عبيد الآجري: حدثنا أبو داود حدثونا عن الأشجعي عن سفيان عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يرون أن كثيرًا من حديث أبي هريرة منسوخ.
قال الذهبي:
قلت: وكان كثير من حديثه ناسخًا، لأن إسلامه ليالي فتح خيبر، والناسخ والمنسوخ في جنب ما حمل من العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم نزر قليل، وكان من أئمة الاجتهاد، ومن أهل الفتوى رضي الله عنه.
فالسنن الثابتة لا ترد بالدعاوي.
(25)
(ترجمة بكر المزني رحمه الله)
عن بكر المزني وهو في "الزهد" لأحمد قال: كان الرجل في بني إسرائيل إذا بلغ المبلغ، فمشى في الناس، تظله غمامة.
قال الذهبي:
قلت: شاهده أن الله قال: {وظللنا عليكم الغمام} ففعل بهم تعالى ذلك عامًا، وكان فيهم الطائع والعاصي.
فنبينا صلوات الله عليه أكرم الخلق على ربه، وما كانت له غمامة تظله ولا صح ذلك، بل ثبت أنه لما رمى الجمرة كان بلال يظله بثوبه من حر الشمس.
ولكن كان في بني إسرائيل الأعاجيب والآيات، ولما كانت هذه الأمة خير الأمم، وإيمانهم أثبت، لم يحتاجوا إلى برهان، ولا إلى خوارق، فافهم هذا، وكلما ازداد المؤمن علمًا ويقينًا، لم يحتج إلى الخوارق، وإنما الخوارق للضعفاء، ويكثر ذلك في اقتراب الساعة.
(26)
(ترجمة بكر المزني رحمه الله)
عبد الله بن بكر: سمعت إنسانًا يحدث عن أبي أنه كان واقفًا بعرفة فرق فقال: لولا أني فيهم لقلت: قد غفر لهم.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: كذلك ينبغي للعبد أن يزري على نفسه ويهضمها.
(27)
(ترجمة رجاء بن حيوة رحمه الله)
قال مكحول: ما زلت مضطلعًا على من ناواني حتى عاونهم علي رجاء بن حيوة، وذلك أنه كان سيد أهل الشام في أنفسهم.
قال الذهبي:
قلت: كان ما بينهما فاسدًا، وما زال الأقران ينال بعضهم من بعض، ومكحول ورجاء إمامان، فلا يلتفت إلى قول أحد منهما في الآخر.
(28)
(ترجمة طلق بن حبيب رحمه الله)
عن بكر المزني قال: لما كانت فتنة ابن الأشعث قال طلق بن حبيب: اتقوها بالتقوى.
فقيل له: صف لنا التقوى، فقال: العمل بطاعة الله، على نور من الله، رجاء ثواب الله، وترك معاصي الله، على نور من الله، مخافة عذاب الله.
قال الذهبي:
قلت: أبدع وأوجز، فلا تقوى إلا بعمل، ولا عمل إلا بتروٍ من العلم والاتباع.
ولا ينفع ذلك إلا بالإخلاص لله، لا ليقال: فلان تارك للمعاصي بنور الفقه، إذ المعاصي يفتقر اجتنابها إلى معرفتها، ويكون الترك خوفًا من الله، لا ليمدح بتركها، فمن دوام على هذه الوصية فقد فاز.
(29)
(ترجمة عكرمة رحمه الله)
عن يحيى بن معين قال: إذا رأيت إنسانًا يقع في عكرمة، وفي حماد بن سلمة، فاتهمه على الإسلام.
قلت: هذا محمول على الوقوع فيهما بهوى وحيف في وزنهما، أما من نقل ما قيل في جرحهما وتعديلهما على الإنصاف، فقد أصاب، نعم إنما قال يحيى هذا في معرض رواية حديث خاص في رؤية الله تعالى في المنام، وهو حديث يستنكر.
(30)
(ترجمة عكرمة رحمه الله)
عن عكرمة قال: إنما أنزل الله متشابه القرآن ليضل به.
قال الذهبي:
قلت: هذه عبارة رديئة، بل إنما أنزله الله تعالى ليهدي به المؤمنين، وما يضل به إلا الفاسقين، كما أخبرنا عز وجل في سورة البقرة.
31)
(ترجمة عبد الله بن بريدة رحمه الله)
عن ابن بريدة قال: ينبغي للرجل أن يتعاهد من نفسه ثلاثة أشياء لا يدعها: المشي، فإن احتاجه وجده، وأن لا يدع الأكل فإن أمعاءه تضيق، وأن لا يدع الجماع، فإن البئر إذا لم تنزع ذهب ماؤها.
قلت: يفعل هذه الأشياء باقتصاد، ولاسيما الجماع، إذا شاخ فتركه أولى.
(32)
(ترجمة قتادة رحمه الله)
أبو سلمة المنقري: حدثنا أبان العطار، قال: ذُكر يحيى بن أبي كثير عند قتادة، فقال: متى كان العلم في السماكين، فذكر قتادة عند يحيى، فقال: لا يزال أهل البصرة بشر ما كان فيهم قتادة.
قال الذهبي:
قلت: كلام الأقران يطوى ولا يروى، فإن ذُكِر تأمله المحدِّثُ، فإن وجد له متابعًا، وإلا أعرض عنه.
(33)
(ترجمة أبي الزياد عبد الله بن ذكوان رحمه الله)
قال إبراهيم بن المنذر الحزامي: هو [عبد الله بن ذكوان] كان سبب جلد ربيعة الرأي، ثم ولي بعد ذلك المدينة فلان التيمي، فأرسل إلى أبي الزناد، فطين عليه بيتًا، فشفع فيه ربيعة.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: تؤول الشحناء بين القرناء إلى أعظم من هذا.
ولما رأى ربيعة أن أبا الزناد يهلك بسببه ما وسعه السكوت، فأخرجوا أبا الزناد، وقد عاين الموت وذبل، ومالت عنقه.
نسأل الله السلامة.
(34)
(ترجمة جعفر بن محمد رحمه الله)
عمرو بن قيس الملائي سمعت جعفر بن محمد يقول: برئ الله ممن تبرأ من أبي بكر وعمر.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: هذا القول متواتر عن جعفر الصادق، وأشهد بالله إنه لبار في قوله غير منافق لأحد فقبح الله الرافضة.
(35)
(ترجمة يونس بن عبيد رحمه الله)
قد خشيت أن أكون من أهل النار.
قال الذهبي:
قلت: كل من لم يخش أن يكون في النار، فهو مغرور قد أمن مكر الله به.
(36)
(ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله)
عن سعد بن الصلت قال: كان ابن أبي ليلى لا يجيز قول من لا يشرب النبيذ.
قال الذهبي:
قلت: هذا غلو.
قلـ حسن عبد الحي ـت: إنما قال الذهبي رحمه الله هذا غلو لأن طائفة من العلماء كانت تبيح النبيذ في هذا الوقت، أما الآن فلا.
(37)
(ترجمة ابن جريج رحمه الله)
قال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وابن جريج: لمن طلبتم العلم؟ كلهم يقول: لنفسي، غير أن ابن جريج فإنه قال: طلبته للناس.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: ما أحسن الصدق! واليوم تسأل الفقيه الغبي: لمن طلبت العلم؟ فيبادر ويقول: طلبته لله، ويكذب إنما طلبه للدنيا، ويا قلة ما عرف منه.
(38)
(ترجمة عمرو بن الحارث رحمه الله)
عن ابن وهب قال: اهتدينا في العلم بأربعة: اثنان بمصر، واثنان بالمدينة، عمرو بن الحارث والليث بن سعد بمصر، ومالك وابن الماجشون بالمدينة، لولا هؤلاء لكنا ضالين.
قال الذهبي:
قلت: بل لولا الله، لكنا ضالين، اللهم لولا أنت ما اهتدينا.
(39)
(ترجمة هشام بن حسان رحمه الله)
سمعت هشام بن حسان يقول: ليت ما حفظ عني من العلم في أخبث تنور بالبصرة، وليت حظي منه لا لي ولا علي.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: ليس مراده ذات العلم، فهذا لا يقوله مسلم وإنما مراده التعليم، والقصد بالعلم، ألا تراه كيف يقول: ليت حظي منه لا لي ولا علي؟!
(40)
(ترجمة ابن عون رحمه الله)
روى مسعر عن ابن عون قال: ذكر الناس داء، وذكر الله دواء.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: إي والله، فالعجب منّا ومن جهلنا كيف ندع الدواء ونقتحم الداء؟! قال الله تعالى: (فاذكروني أذكركم) (ولذكر الله أكبر)، وقال: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب) ولكن لا يتهيأ ذلك إلا بتوفيق الله، ومن أدمن الدعاء ولازم قرع الباب فتح له.
وقد كان ابن عون قد أوتي حلما وعلما، ونفسه زكية تعين على التقوى، فطوبى له.
(41)
(ترجمة أبي حنيفة رحمه الله)
وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة.
قال الذهبي:
قلت: الإمامة في الفقه ودقائقه مسلّمة إلى هذا الإمام، وهذا أمر لا شك فيه.
وليس يصح في الأذهان شيء *** إذا احتاج النهار إلى دليل
(42)
(ترجمة معمر رحمه الله)
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر قال: كان يقال: إن الرجل يطلب العلم لغير الله، فيأبى عليه العلم حتى يكون لله.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: نعم، يطلبه أولا، والحامل له حب العلم، وحب إزالة الجهل عنه، وحب الوظائف، ونحو ذلك.
ولم يكن علم وجوب الإخلاص فيه، ولا صدق النية، فإذا علم، حاسب نفسه، وخاف من وبال قصده، فتجيئه النية الصالحة كلها أو بعضها، وقد يتوب من نيته الفاسدة ويندم.
وعلامة ذلك أنه يقصر من الدعاوي وحب المناظرة، ومن قصْد التكثر بعلمه، ويزري على نفسه، فإن تكثر بعلمه، أو قال: أنا أعلم من فلان فبعدًا له.
(43)
(ترجمة ابن إسحاق صاحب المغازي رحمه الله)
قال الخطيب: ذكر بعضهم: أن مالكًا عابه جماعة من أهل العلم في زمانه بإطلاق لسانه في قوم معروفين بالصلاح والديانة والثقة والأمانة.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: كلا، ما عابهم إلا وهم عنده بخلاف ذلك، وهو مثاب على ذلك، وإن أخطأ اجتهاده، رحمة الله عليه.
(44)
(ترجمة حجاج بن أرطاة رحمه الله)
سمعت الشافعي يقول: قال حجاج بن أرطاة: لا تتم مروءة الرجل حتى يترك الصلاة في الجماعة!
قال الذهبي:
قلت: لعن الله هذه المروءة، ما هي إلا الحمق والكبر، كيلا يزاحمه السوقة! وكذلك تجد رؤساء وعلماء يصلون في جماعة في غير صف، أو تبسط له سجادة كبيرة حتى لا يلتصق به مسلم، فإنا لله!.
(45)
(ترجمة الأوزاعي رحمه الله)
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: قد كان عبد الله بن علي ملكًا جبارًا، سفاكًا للدماء، صعب المراس، ومع هذا فالإمام الأوزاعي يصدعه بمر الحق كما ترى، لا كخلق من علماء السوء، الذين يحسنون للأمراء ما يقتحمون به من الظلم والعسف، ويقلبون لهم الباطل حقا -قاتلهم الله- أو يسكتون مع القدرة على بيان الحق.
(46)
(ترجمة ابن أبي ذئب رحمه الله)
قال أحمد بن حنبل: بلغ ابن أبي ذئب أن مالكًا لم يأخذ بحديث "البيعان بالخيار" فقال: يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه، ثم قال أحمد: هو أورع وأقول بالحق من مالك.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: لو كان ورعًا كما ينبغي لما قال هذا الكلام القبيح في حق إمام عظيم.
فمالك إنما لم يعمل بظاهر الحديث، لانه رآه منسوخًا.
وقيل: عمل به وحمل قوله: "حتى يتفرقا" على التلفظ بالإيجاب والقبول، فمالك في هذا الحديث، وفي كل حديث، له أجر ولا بد، فإن أصاب، ازداد أجرًا آخر، وإنما يرى السيف على من أخطأ في اجتهاده الحرورية، وبكل حال فكلام الأقران بعضهم في بعض لا يعول على كثير منه، فلا نقصت جلالة مالك بقول ابن أبي ذئب فيه، ولا ضعف العلماء ابن أبي ذئب بمقالته هذه، بل هما عالما المدينة في زمانهما رضي الله عنهما ولم يسندها الإمام أحمد، فلعلها لم تصح.
(47)
(ترجمة عبد الرحمن بن شريح رحمه الله)
قال هانئ بن المتوكل: حدثني محمد بن عبادة المعافري قال: كنا عند أبي شريح رحمه الله فكثرت المسائل، فقال: قد درنت قلوبكم، فقموموا إلى خالد بن حميد المهري استقلوا قلوبكم وتعلموا هذه الرغائب والرقائق، فإنها تجدد العبادة، وتورث الزهادة، وتجر الصداقة، وأقلوا المسائل، فإنها في غير ما نزل تقسي القلب، وتورث العداوة.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: صدق والله، فما الظن إذا كانت مسائل الأصول، ولوازم الكلام في معارضة النص؟ فكيف إذا كانت من تشكيكات المنطق، وقواعد الحكمة، ودين الأوائل ؟!
فكيف إذا كانت من حقائق "الاتحادية"، وزندقة "السبعينية"، ومرق "الباطنية"؟! فواغربتاه، ويا قلة ناصراه، آمنت بالله، ولا قوة إلا بالله.
قلـ حسن عبد الحي ـت: وكيف إذا كانت في غيبة أهل العلم والدعاة والمصلحين وتبديعهم ورميهم بأبشع العبارات وأشنعها؟! كما هو حال بعض من ينتسب للعلم والحديث والسلفية!
(48)
(ترجمة شعبة رحمه الله)
قال أبو قطن: سمعت شعبة بن الحجاج يقول: ما شيء أخوف عندي من أن يدخلني النار من الحديث.
وعنه قال: وددت أني وقاد حمام، وأني لم أعرف الحديث.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: كل من حاقق نفسه في صحة نيته في طلب العلم يخاف من مثل هذا، ويود أن ينجو كفافًا.
(49)
(ترجمة الثوري رحمه الله)
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: قد كان سفيان رأسًا في الزهد، والتأله، والخوف، رأسًا في الحفظ، رأسًا في معرفة الآثار، رأسًا في الفقه، لا يخاف في الله لومة لائم، من أئمة الدين، واغتفر له غير مسألة اجتهد فيها، وفيه تشيع يسير، كان يثلث بعلي، وهو على مذهب بلده أيضًا في النبيذ، ويقال: رجع عن كل ذلك.
وكان ينكر على الملوك، ولا يرى الخروج أصلا، وكان يدلس في روايته، وربما دلس عن الضعفاء، وكان سفيان بن عيينة مدلسًا، لكن ما عرف له تدليس عن ضعيف.
(50)
(ترجمة الثوري رحمه الله)
قال يحيى القطان: كان الثوري قد غلبت عليه شهوة الحديث، ما أخاف عليه إلا من حبه للحديث.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: حب ذات الحديث، والعمل به لله مطلوب من زاد المعاد، وحب روايته وعواليه والتكثر بمعرفته وفهمه مذموم مخوف، فهو الذي خاف منه سفيان، والقطان، وأهل المراقبة، فإن كثيرًا من ذلك وبال على المحدث.
(51)
(ترجمة الثوري رحمه الله)
وعنه: من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يلقها في قلوبهم.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة، والشبه خطّافة.
(52)
(ترجمة حسن بن صالح رحمه الله)
قال وكيع: حسن بن صالح عندي إمام، فقيل له: إنه لا يترحم على عثمان.
فقال: أفتترحم أنت على الحجاج؟
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: لا بارك الله في هذا المثال.
ومراده: أن ترك الترحم سكوت، والساكت لا ينسب إليه قول، ولكن من سكت عن ترحم مثل الشهيد أمير المؤمنين عثمان، فإن فيه شيئًا من تشيع، فمن نطق فيه ببغض وتنقص هو شيعي جلد يؤدب، وإن ترقى إلى الشيخين بذم، فهو رافضي خبيث، وكذا من تعرض للإمام علي بذم، فهو ناصبي يعزر، فإن كفّره فهو خارجي مارق، بل سبيلنا أن نستغفر للكل ونحبهم، ونكف عما شجر بينهم.
(53)
(إبراهيم بن أدهم رحمه الله)
عن طالوت: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: ما صدق اللهَ عبدٌ أحب الشهرة.
قال الذهبي:
قلت: علامة المخلص الذي قد يحب شهرة، ولا يشعر بها، أنه إذا عوتب في ذلك، لا يحرد ولا يبرئ نفسه، بل يعترف، ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي، ولا يكن معجبًا بنفسه، لا يشعر بعيوبها، بل لا يشعر أنه لا يشعر، فإن هذا داء مزمن.
(54)
(ترجمة زفر رحمه الله)
قال عبد الرحمن بن مهدي: حدثنا عبد الواحد بن زياد قال: لقيت زفر رحمه الله، فقلت له: صرتم حديثًا في الناس وضحكة.
قال: وما ذاك؟ قلت: تقولون: "ادرؤوا الحدود بالشبهات"، ثم
جئتم إلى أعظم الحدود، فقلتم: تقام بالشبهات.
قال: وما هو؟ قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقتل مسلم بكافر) فقلتم: يقتل به -يعني بالذمي- قال: فإني أشهدك الساعة أني قد رجعت عنه.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: هكذا يكون العالم وقّافًا مع النص.
(55)
(ترجمة مالك رحمه الله)
ابن سعد: حدثنا الواقدي قال: لما دعي مالك، وشوور، وسمع منه، وقبل قوله، حسد، وبغوه بكل شيء، فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة، سعوا به إليه، وكثروا عليه عنده، وقالوا: لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت بن الأحنف في طلاق المكره: أنه لا يجوز عنده، قال: فغضب جعفر، فدعا بمالك، فاحتج عليه بما رفع إليه عنه، فأمر بتجريده، وضربه بالسياط، وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه، وارتكب منه أمر عظيم، فوالله ما زال مالك بعد في رفعة وعلو.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: هذا ثمرة المحنة المحمودة، أنها ترفع العبد عند المؤمنين، وبكل حال فهي بما كسبت أيدينا، ويعفو الله عن كثير، (ومن يرد الله به خيرًا يصب منه)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل قضاء المؤمن خير له) وقال الله تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين}، وأنزل تعالى في وقعة أحد قوله: {أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا، قل هو من عند أنفسكم}، وقال: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}.
فالمؤمن إذا امتحن صبر واتعظ، واستغفر ولم يتشاغل بذم من انتقم منه، فالله حكم مقسط، ثم يحمد الله على سلامة دينه، ويعلم أن عقوبة الدنيا أهون وخير له.
(56)
(ترجمة مالك رحمه الله)
قال مالكي: قد ندر الاجتهاد اليوم وتعذر، فمالك أفضل من يقلد، فرجح تقليده.
وقال شيخ: إن الإمام لمن التزم بتقليده، كالنبي مع أمته، لا تحل مخالفته.
قال الإمام الذهبي رحمه الله:
قلت: قوله لا تحل مخالفته: مجرد دعوى، واجتهاد بلا معرفة، بل له مخالفة إمامه إلى إمام آخر، حجته في تلك المسألة أقوى، لا بل عليه اتباع الدليل فيما تبرهن له، لا كمن تمذهب لإمام، فإذا لاح له ما يوافق هواه، عمل به من أي مذهب كان، ومن تتبع رخص المذاهب وزلات المجتهدين فقد رق دينه، كما قال الأوزاعي أو غيره: من أخذ يقول المكيين في المتعة، والكوفيين في النبيذ، والمدنيين في الغناء، والشاميين في عصمة الخلفاء، فقد جمع الشر.
وكذا من أخذ في البيوع الربوية بمن يتحيل عليها، وفي الطلاق ونكاح التحليل بمن توسع فيه، وشبه ذلك فقد تعرض للانحلال، فنسأل الله العافية والتوفيق.
ولكن: شأن الطالب أن يدرس أولا مصنفًا في الفقه، فإذا حفظه، بحثه، وطالع الشروح، فإن كان ذكيًا فقيه النفس، ورأى حجج الأئمة، فليراقب الله وليحتط لدينه، فإن خير الدين الورع، ومن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، والمعصوم من عصمه الله.
إلى أن قال الذهبي رحمه الله:
ولكن هذا الإمام الذي هو النجم الهادي قد أنصف وقال قولا فصلا، حيث يقول: كل أحد يؤخذ من قوله، ويترك، إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم.
ولا ريب أن كل من أنس من نفسه فقهًا، وسعة علم، وحسن قصد، فلا يسعه الالتزام بمذهب واحد في كل أقواله، لأنه قد تبرهن له مذهب الغير في مسائل، ولاح له الدليل، وقامت عليه الحجة، فلا يقلد فيها إمامه، بل يعمل بما تبرهن، ويقلد الإمام الآخر بالبرهان، لا بالتشهي والغرض.
(57)
(ترجمة مالك رحمه الله)
ابن المبارك يقول: ما رأيت أحدًا ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: ما كان عليه من العلم ونشره أفضل من نوافل الصوم والصلاة لمن أراد به الله.
(58)
(ترجمة ابن المبارك رحمه الله)
الفضل بن محمد الشعراني: حدثنا عبدة بن سليمان قال: سمعت رجلا يسأل ابن المبارك عن الرجل يصوم يومًا ويفطر يومًا؟
قال: هذا رجل يضيع نصف عمره، وهو لا يدري.
يعني لم لا يصومها.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: أحسب ابن المبارك لم يذكر حينئذ حديث: (أفضل الصوم صوم داود) ولا حديث: النهي عن صوم الدهر.
(59)
(ترجمة الفضيل رحمه الله)
وعنه: يا مسكين! أنت مسيء وترى أنك محسن! وأنت جاهل وترى أنك عالم! وتبخل وترى أنك كريم! وأحمق وترى أنك عاقل! أجلك قصير وأملك طويل.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: إي والله صدق، وأنت ظالم وترى أنك مظلوم! وآكل للحرام وترى أنك متورع! وفاسق وتعتقد أنك عدل! وطالب العلم للدنيا وترى أنك تطلبه لله!
(60)
(ترجمة الفضيل رحمه الله)
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: إذا كان مثل كبراء السابقين الأولين قد تكلم فيهم الروافض والخوارج! ومثل الفضيل يتكلم فيه! فمن الذي يسلم من ألسنة الناس؟ لكن إذا ثبتت إمامة الرجل وفضله لم يضره ما قيل فيه، وإنما الكلام في العلماء مفتقر إلى وزن بالعدل والورع.
وأما قول ابن مهدي: لم يكن بالحافظ، فمعناه: لم يكن في علم الحديث كهؤلاء الحفاظ البحور، كشعبة، ومالك وسفيان، وحماد، وابن المبارك، ونظرائهم، لكنه ثبت قيم بما نقل، ما أخذ عليه في حديث فيما علمت.
وهل يراد من العلم إلا ما انتهى إليه الفضيل رحمة الله عليه؟!
(61)
(ترجمة وكيع رحمه الله)
الفضل بن محمد الشعراني: سمعت يحيى بن أكثم يقول: صحبت وكيعًا في الحضر والسفر، وكان يصوم الدهر، ويختم القرآن كل ليلة.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: هذه عبادة يخضع لها، ولكنها من مثل إمام من الأئمة الأثرية مفضولة، فقد صح نهيه عليه السلام عن صوم الدهر، وصح أنه نهى أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، والدين يسر، ومتابعة السنة أولى، فرضي الله عن وكيع، وأين مثل وكيع؟! ومع هذا فكان ملازمًا لشرب نبيذ الكوفة الذي يسكر الإكثار منه فكان متأولا في شربه، ولو تركه تورعًا، لكان أولى به، فإن من توقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، وقد صح النهي والتحريم للنبيذ المذكور، وليس هذا موضع هذه الأمور، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، فلا قدوة في خطأ العالم، نعم ولا يوبخ بما فعله باجتهاد، نسأل الله المسامحة.
(62)
(ترجمة وكيع رحمه الله)
يحيى يقول: من فضل عبد الرحمن بن مهدي على وكيع، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: هذا كلام ردئ، فغفر الله ليحيى، فالذي أعتقده أنا أن عبد الرحمن أعلم الرجلين وأفضل وأتقن، وبكل حال هما إمامان نظيران.
(63)
(ترجمة وكيع رحمه الله)
وعن مليح بن وكيع قال: لما نزل بأبي الموت أخرج يديه، فقال: يا بني ترى يدي، ما ضربت بهما شيئًا قط.
قال مليح: فحدثت بهذا داود بن يحيى بن يمان، فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم، فقلت: يا رسول الله من الأبدال؟ قال: الذين لا يضربون بأيديهم شيئًا، وإن وكيعًا منهم.
قلت: بل الذي يضرب بيده في سبيل الله أشرف وأفضل.
(64)
(ترجمة ابن وهب رحمه الله)
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا حرملة: سمعت ابن وهب يقول: نذرت إني كلما اغتبت إنسانًا أن أصوم يومًا، فأجهدني، فكنت أغتاب وأصوم، فنويت أني كلما اغتبت إنسانًا أن أتصدق بدرهم، فمن حب الدراهم تركت الغيبة.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: هكذا والله كان العلماء وهذا هو ثمرة العلم النافع.
(65)
(ترجمة عبد الرزاق رحمه الله)
قال علي بن المديني: قال لي هشام بن يوسف: كان عبد الرزاق أعلمنا وأحفظنا.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: هكذا كان النظراء يعترفون لأقرانهم بالحفظ.
(66)
(ترجمة عبد الرزاق رحمه الله)
قال العقيلي: سمعت علي بن عبد الله بن المبارك الصنعاني يقول: كان زيد بن المبارك قد لزم عبد الرزاق فأكثر عنه، ثم خرق كتبه، ولزم محمد بن ثور، فقيل له في ذلك، فقال: كنا عند عبد الرزاق، فحدثنا بحديث معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان..الحديث الطويل، فلما قرأ قول عمر لعلي والعباس: فجئت أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك، وجاء هذا يطلب ميراث امرأته، قال عبد الرزاق: انظروا إلى الأنوك، يقول: تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث زوجته من أبيها، لا يقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال زيد بن المبارك: فلم أعد إليه، ولا أروي عنه.
قال الذهبي رحمه الله تعالى:
قلت: هذه عظيمة، وما فهم قول أمير المؤمنين عمر، فإنك يا هذا لو سكت لكان أولى بك، فإن عمر إنما كان في مقام تبيين العمومة والبنوة، وإلا فعمر رضي الله عنه أعلم بحق المصطفى وبتوقيره وتعظيمه من كل متحذلق متنطع، بل الصواب أن نقول عنك: انظروا
إلى هذا الأنوك الفاعل -عفا الله عنه- كيف يقول عن عمر هذا؟ ولا يقول: قال أمير المؤمنين الفاروق؟! وبكل حال فنستغفر الله لنا ولعبد الرزاق، فإنه مأمون على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق.
قلـ حسن عبد الحي ـت: في [لسان العرب]: الأنوك: الأحمق، وقال الأصمعي: العاجز الجاهل.
(67)
(ترجمة الشافعي)
قل يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يومًا في مسألة، ثم افترقنا ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة؟
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام، وفقه نفسه، فما زال النظراء يختلفون.
(68)
(ترجمة الشافعي رحمه الله)
حدثنا الربيع بن سليمان قال: كان الشافعي قد جزأ الليل، فثلثه الأول يكتب، والثاني يصلي، والثالث ينام.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: أفعاله الثلاثة عبادة بالنية.
(69)
(ترجمة الشافعي رحمه الله)
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية، لا يلتفت إليه، بل يطوى ولا يروى، كما تقرر عن الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم رضي الله عنهم أجمعين، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف، وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفو القلوب، وتتوفر على حب الصحابة، والترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم، كما علمنا الله تعالى حيث يقول: {والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا} فالقوم لهم سوابق، وأعمال مكفرة لما وقع منهم، وجهاد محّاء، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة، نقطع بأن بعضهم أفضل من بعض، ونقطع بأن أبا بكر وعمر أفضل الأمة، ثم تتمة العشرة المشهود لهم بالجنة، وحمزة وجعفر ومعاذ وزيد، وأمهات المؤمنين، وبنات نبينا صلى الله عليه وسلم، وأهل بدر مع كونهم على مراتب، ثم الأفضل بعدهم مثل أبي الدرداء وسلمان الفارسي وابن عمر وسائر أهل بيعة الرضوان الذين رضي الله عنهم بنص آية سورة الفتح، ثم عموم المهاجرين والأنصار كخالد بن الوليد والعباس وعبد الله بن عمرو، وهذه الحلبة [أي: الطبقة]، ثم سائر من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاهد معه، أو حج معه، أو سمع منه، رضي الله عنهم أجمعين وعن جميع صواحب رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرات والمدنيات وأم الفضل وأم هانئ الهاشمية وسائر الصحابيات.
فأما ما تنقله الرافضة وأهل البدع في كتبهم من ذلك، فلا نعرج عليه، ولا كرامة، فأكثره باطل وكذب وافتراء، فدأب الروافض رواية الأباطيل، أو رد ما في الصحاح والمسانيد، ومتى إفاقة من به سكران؟! ثم قد تكلم خلق من التابعين بعضهم في بعض، وتحاربوا، وجرت أمور لا يمكن شرحها، فلا فائدة في بثها، ووقع في كتب التواريخ وكتب الجرح والتعديل أمور عجيبة، والعاقل خصم نفسه، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، ولحوم العلماء مسمومة، وما نقل من ذلك لتبيين غلط العالم، وكثرة وهمه، أو نقص حفظه، فليس من هذا النمط، بل لتوضيح الحديث الصحيح من الحسن، والحسن من الضعيف.
(70)
(ترجمة يحيى بن حماد رحمه الله)
وقال محمد بن النعمان بن عبد السلام: لم أر أعبد من يحيى بن حماد، وأظنه لم يضحك!
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: الضحك اليسير والتبسم أفضل، وعدم ذلك من مشايخ العلم على قسمين:
أحدهما: يكون فاضلا لمن تركه أدبًا وخوفًا من الله، وحزنًا على نفسه المسكينة.
والثاني: مذموم لمن فعله حمقًا وكبرًا وتصنّعًا، كما أن من أكثر الضحك استخف به، ولا ريب أن الضحك في الشباب أخف منه وأعذر منه في الشيوخ.
وأما التبسم وطلاقة الوجه فأرفع من ذلك كله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تبسمك في وجه أخيك صدقة)، وقال جرير: ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسم.
فهذا هو خلق الإسلام، فأعلى المقامات من كان بكّاء بالليل، بسّاما بالنهار.
وقال عليه السلام: (لن تسعوا الناس بأموالكم، فليسعهم منكم بسط الوجه).
بقي هنا شيء: ينبغي لمن كان ضحوكًا بسّامًا أن يقصر من ذلك، ويلوم نفسه حتى لا تمجه [تملّه وترفضه] الأنفس، وينبغي لمن كان عبوسًا منقبضًا أن يتبسم، ويحسن خلقه، ويمقت نفسه على رداءة خلقه، وكل انحراف عن الاعتدال فمذموم، ولا بد للنفس من مجاهدة وتأديب.
(71)
(ترجمة عفان بن حماد رحمه الله)
محمد بن الحسن بن علي بن بحر: حدثنا الفلاس قال: رأيت يحيى يومًا حدث بحديث، فقال له عفان: ليس هو هكذا.
فلما كان من الغد، أتيت يحيى، فقال: هو كما قال عفان، ولقد سألت الله أن لا يكون عندي على خلاف ما قال عفان.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: هكذا كان العلماء، فانظر يا مسكين كيف أنت عنهم بمعزل.
(72)
(ترجمة أحمد بن أبي خالد)
ومن كلام أحمد قال: من لم يقدر على نفسه بالبذل، لم يقدر على عدوه بالقتل.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: الشجاعة والسخاء أخوان، فمن لم يجد بماله فلن يجود بنفسه.
(73)
(ترجمة علي بن عياش رحمه الله)
قال يحيى بن أكثم: أَدخلتُ علي بن عياش على المأمون، فتبسم، ثم بكى، فقال: يا يحيى: أدخلت علي مجنونًا! فقلت: أدخلت عليك خير أهل الشام وأعلمهم ما خلا أبا المغيرة.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: الرجل عمل بالسنة، فسلم وتبسم، ثم بكى لما رأى من الكبر والجبروت.
(74)
(ترجمة يحيى بن صالح)
قال أحمد بن حنبل: أخبرني رجل من أصحاب الحديث أن يحيى بن صالح قال: لو ترك أصحاب الحديث عشرة أحاديث -يعني هذه التي في الرؤية- [رؤية الله تعالى في الآخرة] ثم قال أحمد: كأنه نزع إلى رأي جهم.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: والمعتزلة تقول: لو أن المحدثين تركوا ألف حديث في الصفات والأسماء والرؤية، والنزول، لأصابوا.
والقدرية تقول: لو أنهم تركوا سبعين حديثًا في إثبات القدر.
والرافضة تقول: لو أن الجمهور تركوا من الأحاديث التي يدعون صحتها ألف حديث، لأصابوا، وكثير من ذوي الرأي يردون أحاديث شافه بها الحافظ المفتي المجتهد أبو هريرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويزعمون أنه ما كان فقيهًا، ويأتوننا بأحاديث ساقطة، أو لا يعرف لها إسناد أصلا محتجين بها.
قلنا: وللكل موقف بين يدي الله تعالى.
يا سبحان الله! أحاديث رؤية الله في الآخرة متواترة، والقرآن مصدق لها، فأين الإنصاف؟
(75)
(ترجمة علي بن الجعد رحمه الله)
وقال محمد بن حماد المقرئ: سألت يحيى بن معين عن علي بن الجعد؟ فقال: ثقة صدوق، ثقة صدوق، قلت: فهذا الذي كان منه؟ فقال: أيش كان منه؟ ثقة صدوق.
وقال فيه مسلم: هو ثقة لكنه جهمي.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: ولهذا منع أحمد بن حنبل ولديه من السماع منه.
وقد كان طائفة من المحدثين يتنطعون في من له هفوة صغيرة تخالف السنة، وإلا فعلي إمام كبير حجة، يقال: مكث ستين سنة يصوم يومًا، ويفطر يومًا، وبحسبك أن ابن عدي يقول في "كامله": لم أر في رواياته حديثًا منكرًا إذا حدث عنه ثقة.
وقد قال يحيى بن معين: هو أثبت من أبي النضر.
(76)
(ترجمة خلف بن هشام رحمه الله)
قال الذهبي رحمه الله تعالى:
قلت: كذا ينبغي للمحدث أن لا يشهر الأحاديث التي يتشبث بظاهرها أعداء السنن من الجهمية،...، وأهل الأهواء، والأحاديث التي فيها صفات لم تثبت، فإنك لن تحدث قومًا بحديث لا تبلغه عقولهم، إلا كان فتنة لبعضهم، فلا تكتم العلم الذي هو علم، ولا تبذله للجهلة الذين يشغبون عليك، أو الذين يفهمون منه ما يضرهم.
(77)
(ترجمة سليمان الشاذكوني رحمه الله)
قال عمرو الناقد: قدم سليمان الشاذكوني بغداد، فقال لي أحمد بن حنبل: اذهب بنا إليه نتعلم منه نقد الرجال.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: كفى بها مصيبة أن يكون رأسًا في نقد الرجال، ولا ينقد نفسه.
(78)
(ترجمة أحمد بن حنبل رحمه الله)
قال سعيد بن عمرو البرذعي: سمعت الحافظ أبا زرعة الرازي: يقول: كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمار، ولا عن يحيى بن معين، ولا عن أحد ممن امتحن فأجاب.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: هذا أمر ضيق ولا حرج على من أجاب في المحنة، بل ولا على من أكره على صريح الكفر عملا بالآية.
وهذا هو الحق.
وكان يحيى رحمه الله من أئمة السنة، فخاف من سطوة الدولة، وأجاب تقية.
(79)
(ترجمة أحمد بن حنبل رحمه الله)
وعن محمد بن مصعب العابد، قال: لسوط ضربه أحمد بن حنبل في الله أكبر من أيام بشر بن الحارث.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: بشر عظيم القدر كأحمد، ولا ندري وزن الأعمال، إنما الله يعلم ذلك.
(80)
(ترجمة أحمد بن حنبل رحمه الله)
وبه إلى أبي نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا الأبار: سمعت محمد بن يحيى النيسابوري، حين بلغه وفاة أحمد، يقول: ينبغي لكل أهل دار ببغداد أن يقيموا عليه النياحة في دورهم.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: تكلم الذهلي بمقتضى الحزن لا بمقتضى الشرع.
(81)
(ترجمة أحمد بن حنبل رحمه الله)
وقال آخر: نظرة عندنا من أحمد تعدل عبادة سنة.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: هذا غلو لا ينبغي، لكن الباعث له حب ولي الله في الله.
(82)
(ترجمة أحمد بن حنبل)
قال المروذي: قال لي أحمد: قل لعبد الوهاب: أخمل ذكرك، فإني أنا قد بليت بالشهرة.
وقال محمد بن الحسن بن هارون: رأيت أبا عبد الله إذا مشى في الطريق، يكره أن يتبعه أحد.
قال الذهبي رحمه الله تعالى:
قلت: إيثار الخمول والتواضع، وكثرة الوجل من علامات التقوى والفلاح.
(83)
(ترجمة أحمد بن حنبل رحمه الله)
قال الذهبي:
قلت: وكذا استفاض وثبت أن الغرق الكائن بعد العشرين وسبع مئة ببغداد عام على مقابر مقبرة أحمد، وأن الماء دخل في الدهليز علو ذراع، ووقف بقدرة الله، وبقيت الحصر حول قبر الإمام بغبارها، وكان ذلك آية.
(84)
(ترجمة عمرو بن زرارة رحمه الله)
وقال داود بن الحسين البيهقي: كنا نختلف إلى عمرو بن زرارة، فخرج علينا يومًا، فضحك رجل، فقال عمرو: هب التحرج، أليس التقى؟ هب التقى، أليس الحياء؟ ثم قام ودخل.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: قد يقال للزعر الأخلاق: هب حسن الخلق ذهب، أليس الحلم؟ وهب الحلم ذهب، أليس العفو؟
(85)
(ترجمة أحمد بن عاصم رحمه الله)
قال أبو زرعة: أملى علي أحمد بن عاصم الحكيم: الناس ثلاث طبقات: مطبوع غالب وهم المؤمنون، فإذا غفلوا ذكروا، ومطبوع مغلوب فإذا بصروا أبصروا ورجعوا بقوة العقل، ومطبوع مغلوب غير ذي طباع، ولا سبيل إلى رد هذا بالمواعظ.
قال الذهبي:
قلت: فما الظن إذا كان واعظ الناس من هذا الضرب عبد بطنه وشهوته، وله قلب عري من الحزن والخوف، فإن انضاف إلى ذلك فسق مكين، أو انحلال من الدين، فقد خاب وخسر، ولابد أن يفضحه الله تعالى.
(86)
(ترجمة هشام بن عمار رحمه الله تعالى)
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: أما قول الإمام فيه: طياش، فلأنه بلغه عنه أنه قال في خطبته: الحمد الله الذي تجلى لخلقه بخلقه.
فهذه الكلمة لا ينبغي إطلاقها، وإن كان لها معنى صحيح، لكن يحتج بها الحلولي والاتحادي.
وما بلغنا أنه سبحانه وتعالى تجلى لشئ إلا بجبل الطور، فصيره دكًا.
وفي تجليه لنبينا، صلى الله عليه وسلم، اختلاف أنكرته عائشة، وأثبته ابن عباس.
وبكل حال كلام الأقران بعضهم في بعض يحتمل، وطيه أولى من بثه إلا أن يتفق المتعاصرون على جرح شيخ، فيعتمد قولهم، والله أعلم.
(87)
(ترجمة قاسم الجوعي رحمه الله)
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: كان زاهد الوقت هذا الجوعي بدمشق، والسري السقطي ببغداد، وأحمد بن حرب بنيسابور، وذو النون بمصر، ومحمد بن أسلم بطوس.
وأين مثل هؤلاء السادة؟ ما يملأ عيني إلا التراب، أو من تحت التراب.
(88)
(ترجمة أحمد بن أبي الحواري)
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: الطريقة المثلى هي المحمدية، وهو الأخذ من الطيبات، وتناول الشهوات المباحة من غير إسراف، كما قال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا}، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآتي النساء، وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني)، فلم يشرع لنا الرهبانية، ولا التمزق ولا الوصال بل ولا صوم الدهر، ودين الإسلام يسر وحنيفية سمحة، فليأكل المسلم من الطيب إذا أمكنه، كما قال تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته} وقد كان النساء أحب شيء إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، وكذلك اللحم والحلواء والعسل والشراب الحلو البارد والمسك، وهو أفضل الخلق وأحبهم إلى الله تعالى.
ثم العابد العري من العلم، متى زهد وتبتل وجاع، وخلا بنفسه، وترك اللحم والثمار، واقتصر على الدقة والكسرة، صفت حواسه ولطفت، ولازمته خطرات النفس، وسمع خطابا يتولد من الجوع والسهر، لا وجود لذلك الخطاب -والله- في الخارج، وولج الشيطان في باطنه وخرج، فيعتقد أنه قد وصل، وخوطب وارتقى، فيتمكن منه الشيطان، ويوسوس له، فينظر إلى المؤمنين بعين الازدراء، ويتذكر ذنوبهم، وينظر إلى نفسه بعين الكمال، وربما آل به الامر إلى أن يعتقد أنه ولي، صاحب كرامات وتمكن، وربما حصل له شك، وتزلزل إيمانه.
فالخلوة والجوع أبو جاد الترهب، وليس ذلك من شريعتنا في شيء.
بلى، السلوك، الكامل هو الورع في القوت، والورع في المنطق، وحفظ اللسان، وملازمة الذكر، وترك مخالطة العامة، والبكاء على الخطيئة، والتلاوة بالترتيل والتدبر، ومقت النفس وذمها في ذات الله، والإكثار من الصوم المشروع، ودوام التهجد، والتواضع للمسلمين، وصلة الرحم، والسماحة وكثرة البشر، والإنفاق مع الخصاصة، وقول الحق المر برفق وتؤدة، والأمر بالعرف، والأخذ بالعفو، والإعراض عن الجاهلين، والرباط بالثغر، وجهاد العدو، وحج البيت، وتناول الطيبات في الأحايين، وكثرة الاستغفار في السحر.
فهذه شمائل الأولياء، وصفات المحمديين.
أماتنا الله على محبتهم.
(89)
(ترجمة البخاري رحمه الله)
وقال بكر بن منير: سمعت أبا عبد الله البخاري يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: صدق رحمه الله، ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه، فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر، ونحو هذا.
وقل أن يكون: فلان كذاب، أو كان يضع الحديث.
حتى إنه قال: إذا قلت فلان في حديثه نظر، فهو متهم واه.
وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدًا.
وهذا هو والله غاية الورع.
(90)
(ترجمة بكار بن قتيبة رحمه الله)
وقيل: إن بكارًا كان يشاور في حكم يونس، والرجل الصالح موسى ولد عبد الرحمن بن القاسم، فبلغنا أن موسى سأله: من أين المعيشة؟ قال: من وقف لأبي أتكفى به.
قال: أريد أن أسألك يا أبا بكرة، هل ركبك دين بالبصرة؟ قال: لا.
قال: فهل لك ولد أو زوجة؟ قال: ما نكحت قط، وما عندي سوى غلامي.
قال: فأكرهك السلطان على القضاء؟ قال: لا.
قال: فضربت آباط الإبل بغير حاجة إلا لتلي الدماء والفروج؟ لله علي لا عدت إليك، قال: أقلني يا أبا هارون.
قال: أنت ابتدأت بمسألتي، انصرف، ولم يعد إليه.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: رضي الله عن موسى، فلقد صدقه، وصدعه بالحق.
ولم يكن بكار مكابرًا، فيقول: تعين علي القضاء.
(91)
(ترجمة داود الظاهري رحمه الله)
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: للعلماء قولان في الاعتداد بخلاف داود وأتباعه: فمن اعتد بخلافهم، قال: ما اعتدادنا بخلافهم لأن مفرداتهم حجة، بل لتحكى في الجملة، وبعضها سائغ وبعضها قوي، وبعضها ساقط، ثم ما تفردوا به هو شيء من قبيل مخالفة الإجماع الظني، وتندر مخالفتهم لإجماع قطعي.
ومن أهدرهم، ولم يعتد بهم، لم يعدهم في مسائلهم المفردة خارجين بها من الدين، ولا كفرهم بها، بل يقول: هؤلاء في حيز العوام، أو هم كالشيعة في الفروع، ولا نلتفت إلى أقوالهم، ولا ننصب معهم الخلاف، ولا يعتنى بتحصيل كتبهم، ولا ندل مستفتيًا من العامة عليهم.
وإذا تظاهروا بمسألة معلومة البطلان، كمسح الرجلين، أدبناهم، وعزرناهم، وألزمناهم بالغسل جزمًا.
قال الاستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: قال الجمهور: إنهم -يعني نفاة القياس- لا يبلغون رتبة الاجتهاد، ولا يجوز تقليدهم القضاء.
ونقل الأستاذ أبو منصور البغدادي، عن أبي علي بن أبي هريرة وطائفة من الشافعية، أنه لا اعتبار بخلاف داود، وسائر نفاة القياس، في الفروع دون الأصول.
وقال إمام الحرمين أبو المعالي: الذي ذهب إليه أهل التحقيق: أن منكري القياس لا يعدون من علماء الأمة، ولا من حملة الشريعة، لأنهم معاندون، مباهتون فيما ثبت استفاضة وتواترًا، لأن معظم الشريعة صادر عن الاجتهاد، ولا تفي النصوص بعشر معشارها، وهؤلاء ملتحقون بالعوام.
قلت: هذا القول من أبي المعالي أداه إليه اجتهاده، وهم فأداهم اجتهادهم إلى نفي القول بالقياس، فكيف يرد الاجتهاد بمثله؟ وندري بالضرورة أن داود كان يقرئ مذهبه، ويناظر عليه، ويفتي به في مثل بغداد، وكثرة الأئمة بها وبغيرها، فلم نرهم قاموا عليه، ولا أنكروا فتاويه ولا تدريسه، ولا سعوا في منعه من بثه، وبالحضرة مثل إسماعيل القاضي، شيخ المالكية، وعثمان بن بشار الأنماطي، شيخ الشافعية، والمروذي شيخ الحنبلية، وابني الإمام أحمد، وأبي العباس أحمد بن محمد البرتي، شيخ الحنفية، وأحمد بن أبي عمران القاضي، ومثل عالم بغداد إبراهيم الحربي.
بل سكتوا له، حتى لقد قال قاسم بن أصبغ: ذاكرت الطبري -يعني ابن جرير- وابن سريج، فقلت لهما: كتاب ابن قتيبة في الفقه أين هو عندكما؟ قالا: ليس بشيء، ولا كتاب أبي عبيد، فإذا أردت الفقه فكتب الشافعي، وداود، ونظرائهم.
ثم كان بعده ابنه أبو بكر، وابن المغلس، وعدة من تلامذة داود، وعلى أكتافهم مثل: ابن سريج، شيخ الشافعية، وأبي بكر الخلال، شيخ الحنبلية، وأبي الحسن الكرخي شيخ الحنفية، وكان أبو جعفر الطحاوي بمصر.
بل كانوا يتجالسون ويتناظرون، ويبرز كل منهم بحججه، ولا يسعون بالداودية إلى السلطان.
بل أبلغ من ذلك، ينصبون معهم الخلاف، في تصانيفهم قديمًا وحديثًا، وبكل حال، فلهم أشياء أحسنوا فيها، ولهم مسائل مستهجنة، يشغب عليهم بها، وإلى ذلك يشير الإمام أبو عمرو بن الصلاح، حيث يقول: الذي اختاره الأستاذ أبو منصور، وذكر أنه الصحيح من المذهب، أنه يعتبر خلاف داود.
ثم قال ابن الصلاح: وهذا الذي استقر عليه الأمر آخرًا، كما هو الأغلب الأعرف من صفو الأئمة المتأخرين، الذين أوردوا مذهب داود في مصنفاتهم المشهورة، كالشيخ أبي حامد الأسفراييني، والماوردي، والقاضي أبي الطيب، فلولا اعتدادهم به لما ذكروا مذهبه في مصنفاتهم المشهورة.
قال: وأرى أن يعتبر قوله إلا فيما خالف فيه القياس الجلي، وما أجمع عليه القياسيون من أنواعه، أو بناه على أصوله التي قام الدليل القاطع على بطلانها، فاتفاق من سواه إجماع منعقد، كقوله في التغوط في الماء الراكد، وتلك المسائل الشنيعة، وقوله: لا ربا إلا في الستة المنصوص عليها، فخلافه في هذا أو نحوه غير معتد به، لأنه مبني على ما يقطع ببطلانه.
قلت: لا ريب أن كل مسألة انفرد بها، وقطع ببطلان قوله فيها، فإنها هدر، وإنما نحكيها للتعجب، وكل مسألة له عضدها نص، وسبقه إليها صاحب أو تابع، فهي من مسائل الخلاف، فلا تهدر.
وفي الجملة، فداود بن علي بصير بالفقه، عالم بالقرآن، حافظ للأثر، رأس في معرفة الخلاف، من أوعية العلم، له ذكاء خارق، وفيه دين متين.
وكذلك في فقهاء الظاهرية جماعة لهم علم باهر، وذكاء قوي، فالكمال عزيز، والله الموفق.
ونحن: فنحكي قول ابن عباس في المتعة، وفي الصرف، وفي إنكار العول، وقول طائفة من الصحابة في ترك الغسل من الإيلاج، وأشباه ذلك، ولا نجوز لأحد تقليدهم في ذلك.
(92)
(ترجمة أحمد بن إسحاق رحمه الله)
وعن محمود بن سهل الكاتب قال: كانوا في بعض الحروب يحاصرون مكانًا، ورئيس العدو قاعد على صفة، فرمى السرماري سهمًا، فعرزه في الصفة، فأومأ الرئيس لينزعه، فرماه بسهم آخر خاط يده، فتطاول الكافر لينزعه من يده، فرماه بسهم ثالث في نحره، فانهزم العدو، وكان الفتح.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: أخبار هذا الغازي تسر قلب المسلم.
(93)
(ترجمة أبي إبراهيم الزهري رحمه الله)
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: وإنما احترمه الإمام أحمد لشرفه ونسبه، ولتقواه وفضله، فمن جمع العمل والعلم، فناهيك به!
(94)
قال أبو أحمد بن عدي: سمعت علي بن عبد الله الداهري يقول:
سألت ابن أبي داود عن حديث الطير، فقال: إن صح حديث الطير فنبوة النبي صلى الله عليه وسلم باطل، لأنه حكى عن حاجب النبي صلى الله عليه وسلم خيانة -يعني أنسًا- وحاجب النبي لا يكون خائنًا.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: هذه عبارة رديئة، وكلام نحس، بل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حق قطعي، إن صح خبر الطير، وإن لم يصح، وما وجه الارتباط؟ هذا أنس قد خدم النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحتلم، وقبل جريان القلم، فيجوز أن تكون قصة الطائر في تلك المدة.
فرضنا أنه كان محتلمًا، ما هو بمعصوم من الخيانة، بل فعل هذه الجناية الخفيفة متأولا، ثم إنه حبس عليًا عن الدخول كما قيل، فكان ماذا؟ والدعوة النبوية قد نفذت واستجيبت، فلو حبسه، أو رده مرات، ما بقي يتصور أن يدخل ويأكل مع المصطفى سواه إلا اللهم إلا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قصد بقوله: (إيتني بأحب خلقك إليك، يأكل معي) عددًا من الخيار، يصدق على مجموعهم أنهم أحب الناس إلى الله، كما يصح
قولنا: أحب الخلق إلى الله الصالحون، فيقال: فمن أحبهم إلى الله؟ فنقول: الصديقون والأنبياء.
فيقال: فمن أحب الأنبياء كلهم إلى الله؟ فنقول: محمد وإبراهيم وموسى، والخطب في ذلك يسير.
وأبو لبابة -مع جلالته- بدت منه خيانة، حيث أشار لبني قريظة إلى حلقه، وتاب الله عليه.
وحاطب بدت منه خيانة، فكاتب قريشًا بأمر تخفى به نبي الله -صلى الله عليه وسلم- من غزوهم، وغفر الله لحاطب مع عظم فعله رضي الله عنه.
وحديث الطير -على ضعفه- فله طرق جمة، وقد أفردتها في جزء، ولم يثبت، ولا أنا بالمعتقد بطلانه، وقد أخطأ ابن أبي داود في عبارته وقوله، وله على خطئه أجر واحد، وليس من شرط الثقة أن لا يخطئ ولا يغلط ولا يسهو.
والرجل فمن كبار علماء الإسلام، ومن أوثق الحفاظ -رحمه الله تعالى-
(95)
قال محمد بن بركة الحلبي: سمعت عثمان بن خرزاذ يقول: يحتاج صاحب الحديث إلى خمس، فإن عدمت واحدة، فهي نقص، يحتاج إلى عقل جيد، ودين وضبط وحذاقة بالصناعة، مع أمانة تعرف منه.
قال الذهبي:
قلت: الأمانة جزء من الدين، والضبط داخل في الحذق، فالذي يحتاج إليه الحافظ أن يكون تقيًا ذكيًا، نحويًا لغويًا، زكيًا حييًا، سلفيًا، يكفيه أن يكتب بيده مئتي مجلد، ويحصل من الدواوين المعتبرة خمس مئة مجلد، وأن لا يفتر من طلب العلم إلى الممات، بنية خالصة وتواضع، وإلا فلا يتعن.
(96)
(ترجمة أبي جعفر الترمذي رحمه الله)
ونقل الشيخ محيي الدين النووي: أن أبا جعفر جزم بطهارة شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد خالف في هذه المسألة جمهور الأصحاب.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: يتعين على كل مسلم القطع بطهارة ذلك، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم لما حلق رأسه، فرق شعره المطهر على أصحابه، إكرامًا لهم بذلك، فوالهفي على تقبيل شعرة منها.
(97)
(ترجمة أبي عمرو الخفاف رحمه الله)
قال الحاكم: وسمعت الصبغي يقول: صام أبو عمرو الخفاف الدهر
نيفًا وثلاثين سنة.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: ليته أفطر وصام، فما خفي والله عليه النهي عن صيام الدهر.
ولكن له سلف، ولو صاموا أفضل الصوم، للزموا صوم داود عليه السلام.
(98)
(ترجمة ابن خزيمة رحمه الله)
سمعت أبا سعد عبد الرحمن بن أحمد المقرئ، سمعت ابن خزيمة يقول: القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال: شيء منه مخلوق، أو يقول: إن القرآن محدث، فهو جهمي، ومن نظر في كتبي، بان له أن الكلابية لعنهم الله كذبة فيما يحكون عني بما هو خلاف أصلي وديانتي، قد عرف أهل الشرق والغرب أنه لم يصنف أحد في التوحيد والقدر وأصول العلم مثل تصنيفي، وقد صح عندي أن هؤلاء الثقفي، والصبغي، ويحيى بن منصور كذبة، قد كذبوا علي في حياتي، فمحرم على كل مقتبس علم أن يقبل منهم شيئًا يحكونه عني، وابن أبي عثمان أكذبهم عندي، وأقولهم علي ما لم أقله.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: ما هؤلاء بكذبة، بل أئمة أثبات، وإنما الشيخ تكلم على حسب ما نقل له عنهم.
فقبح الله من ينقل البهتان، ومن يمشي بالنميمة.
(99)
(ترجمة أبي إسحاق القرميسيني رحمه الله)
وقال: علمُ الفناء والبقاء يدور على إخلاص الوحدانية وصحة العبودية، وما كان غير هذا فهو من المغالطة والزندقة.
قال الذهبي:
قلت: صدقت والله، فإن الفناء والبقاء من ترهات الصوفية، أطلقه بعضهم، فدخل من بابه كل إلحادي وكل زنديق، وقالوا: ما سوى الله باطل فانٍ، والله تعالى هو الباقي، وهو هذه الكائنات، وما ثم شيء غيره.
ويقول شاعرهم: وما أنت غير الكون *** بل أنت عينه
ويقول الآخر: وما ثم إلا الله ليس سواه.
فانظر إلى هذا المروق والضلال، بل كل ما سوى الله محدث موجود.
قال الله تعالى: {خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام}.
وإنما أراد قدماء الصوفية بالفناء: نسيان المخلوقات وتركها، وفناء النفس عن التشاغل بما سوى الله، ولا يسلم إليهم هذا أيضًا، بل أمرنا الله ورسوله بالتشاغل بالمخلوقات ورؤيتها والإقبال عليها، وتعظيم خالقها.
وقال تعالى: {أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء}، وقال: {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض}.
وقال عليه السلام: (حبب إلي النساء والطيب).
وقال: (كأنك علمت حبنا للحم).
وكان يحب عائشة، ويحب أباها، ويحب أسامة، ويحب سبطيه، ويحب الحلواء والعسل، ويحب جبل أحد، ويحب وطنه، ويحب الأنصار، إلى أشياء لا تحصى مما لا يغني المؤمن عنها قط.
(100)
(ترجمة أبي سعيد ابن العربي رحمه الله)
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: إي والله، دققوا وعمقوا، وخاضوا في أسرار عظيمة، ما معهم على دعواهم فيها سوى ظن وخيال، ولا وجود لتلك الأحوال من الفناء والمحو والصحو والسكر إلا مجرد خطرات ووساوس، ما تفوه بعباراتهم صديق، ولا صاحب، ولا إمام من التابعين.
فان طالبتهم بدعاويهم مقتوك، وقالوا: محجوب، وإن سلمت لهم قيادك تخبط ما معك من الإيمان، وهبط بك الحال على الحيرة والمحال، ورمقت العباد بعين المقت، وأهل القرآن والحديث بعين البعد، وقلت: مساكين محجوبون.
فلا حول ولا قوة إلا بالله.
فإنما التصوف والتأله والسلوك والسير والمحبة ما جاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من الرضا عن الله، ولزوم تقوى الله، والجهاد في سبيل الله، والتأدب بآداب الشريعة من التلاوة بترتيل وتدبر، والقيام بخشية وخشوع، وصوم وقت، وإفطار وقت، وبذل المعروف، وكثرة الإيثار، وتعليم العوام، والتواضع للمؤمنين، والتعزز على الكافرين، ومع هذا فالله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
والعالم إذا عري من التصوف والتأله، فهو فارغ، كما أن الصوفي إذا عري من علم السنة، زل عن سواء السبيل.
وقد كان ابن الأعرابي من علماء الصوفية، فتراه لا يقبل شيئًا من اصطلاحات القوم إلا بحجة.
(101)
(ترجمة أبي حسن القطان رحمه الله)
وسمعته يقول: أصبت ببصري، وأظن أني عوقبت بكثرة كلامي أيام الرحلة.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: صدق والله، فقد كانوا مع حسن القصد، وصحة النية غالبًا، يخافون من الكلام.
وإظهار المعرفة والفضيلة، واليوم يكثرون الكلام مع قص العلم، وسوء القصد.
ثم إن الله يفضحهم، ويلوح جهلهم وهواهم واضطرابهم فيما علموه.
فنسأل الله التوفيق والإخلاص.
(102)
(ترجمة أبي عمر غلام ثعلب رحمه الله)
قال أبو الحسن ابن المرزبان: كان أبو محمد بن ماسي من دار كعب ينفذ إلى أبي عمر غلام ثعلب وقتًا بعد وقت كفايته ما ينفق على نفسه، فقطع ذلك عنه مدة لعذر، ثم أنفذ إليه جملة ما كان في رسمه، وكتب إليه يعتذر، فرده، وأمر أن يكتب على ظهر رقعته: أكرمتنا فملكتنا، ثم أعرضت عنا، فأرحتنا.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت: هو كما قال أبو عمر، لكنه لم يجمل في الرد، فإن كان قد ملكه بإحسانه القديم، فالتملك بحاله، وجبر التأخير بمجيئه جملة وباعتذاره، ولو أنه قال: وتركتنا فأعتقتنا، لكان أليق.