تعد اللقاءات التربوية المغلقة – أو ما يمكن أن يسميه البعض - اللقاءات التربوية الخاصة- محاضن تربوية مؤثرة تعتمد عليها الكيانات التربوية المختلفة وترى فيها وسيلة مؤثرة في التأثير التربوي في الأفراد لإشباعهم بالمادة التربوية الموجهة، وتساعد هذه اللقاءات – إذا أحسن استخدامها – في تطوير الأفراد تربويا ومنهجيا والانتقال بهم من مرحلة إلى أخري بصورة تدريجية سلسلة.
كما يستطيع المربي من خلالها الوقوف على أهم العوائق والعقبات الموجودة في التكوين النفسي والتربوي للأفراد ومن ثم اختيار الأسلوب المناسب في علاجها أو إصلاحها، كما أنها تعد أسلوباً مهماً أيضاً في اكتشاف بعض الأمراض التربوية في الجماعة المسلمة واختبار أساليب العلاج الناجع لها، وقد أحسنت بعض الكيانات التربوية في استخدام هذا الأسلوب التربوي في حين أن هناك الكثير من السلبيات التي تأثرت بها تلك اللقاءات فلم تعد تجدي نفعا تربويا كما يرجى منها بل أصبحت ذات أثر سلبي مضاد على المسيرة التربوية لكثير من جماعات العمل الإسلامي ومؤسساته..
تعد اللقاءات التربوية المغلقة محاضن تربوية مؤثرة تعتمد عليها الكيانات التربوية المختلفة وترى فيها وسيلة مؤثرة في التأثير التربوي في الأفراد لإشباعهم بالمادة التربوية الموجهة
ونحاول أن نلقي الضوء على تلك اللقاءات من عدة مناحي مختلفة ساعين لإسداء بعض النصائح التربوية وبيان بعض المحاذير فيها..
أولاً: توصيف اللقاء التربوي المغلق:
نقصد به ذلك اللقاء الذي يختار أعضاؤه اختياراً دقيقاً، ويقوم بتوجيهه أحد المربين الأكفاء، ويتناول فترة زمنية محددة من اليوم، وقد يتكرر دوريا على مدار الأسبوع أو الشهر، ويهدف المربي من خلاله إلى توصيل رسالة تربوية تخص الكيان التربوي الذي يعمل من خلاله..
ويختلف اللقاء التربوي بهذا الوصف عن اللقاء الإداري الذي يكون اختيار أفراده على أساس الهدف الإداري من حيث كونهم مسئولين إدارياً أو أنهم يهيئون لمسؤولية إدارية معينة، كما يختلف عن اللقاءات الترفيهية العابرة التي يكون الهدف منها التعارف أو الترفيه وكذلك يختلف عن اللقاءات التي يكون الهدف منها الإعداد الثقافي أو العلمي أو غيره من أنواع التدريب، وقد يجمع اللقاء التربوي كل هذه المعاني السابقة والواردة في اللقاءات سابقة الذكر ولكن ليس على وجه التخصص، فقد يكون في اللقاء التربوي لمحات إدارية وتوجيهات علمية وأوقات ترفيهية ولكنها ليست المقصودة بذاتها من اللقاء ولكنها تأتي على هامش العملية التربوية الموجهة في اللقاء.
ثانيا: القائم بالعملية التربوية:
ينبغي أن يقوم بالعملية التربوية في اللقاءات التربوية المغلقة مرب يتصف بعدة صفات هامة من أهمها:
o الخبرة التربوية الطويلة
o والعلم بالعملية التربوية وأهدافها وأساليبها وطرق توصيل المفاهيم
o وأساليب التعامل مع الأفراد
o وكذلك طرق التعامل مع المشكلات التربوية الطارئة في تلك اللقاءات،
o وينبغي أن تكون تلك الخبرة وذلك العلم قد اتصف يهما المربي بنجاح في أدائه التربوي، أو بمعنى آخر أن يكون المربي القائم بتلك العملية ذا تاريخ تربوي ناجح على مستوى الإنجاز في تلك الوسيلة التربوية الدقيقة، ويتصور البعض أن كل طالب علم هو أهل لقيادة هذه اللقاءات وهو تصور خاطئ إذا أطلق، ولكن ينبغي أن يكون ذلك الطالب للعلم متصفا بالوصف التربوي الذي ذكرناه وإلا فشل اللقاء التربوي وخرج بسلبيات تفوق إيجابياته المرادة، وحري بالكيانات التربوية المختلفة سواء جماعات أو مجتمعات محلية أو مؤسسات تربوية أن تعمل على تخريج مجموعات من المؤهلين تربويا على المستوى العلمي والتدريبي والثقافي التربوي المناسب للقيام بتلك اللقاءات المؤثرة في العملية التربوية.
ثالثا: الاختيار:
يتم اختيار الأفراد في اللقاء التربوي المغلق بعناية وتركيز، بحيث يكون هناك تجانس وتناسب واضحين فيما يخص ثلاثة مناحي (العمر والثقافة والطبيعة النفسية) :
o فأما فيما يخص العمر فيختار الأفراد من فئة عمرية واحدة ومن أعمار متقاربة ولا يحسن أن يختلط الكبير بالصغير أو الشاب بالطفل أو غيره، فإن لذلك مردود سلبي من جهات عديدة ومختلفة ليس هذا مقام ذكرها ولكننا نكتفي هنا أن نؤكد على أهمية اختيار مرحلة عمرية متناسبة ومتقاربة ولا ينبغي أن يزيد التباين العمري بين أفرادها في (مرحلة الصبا عن السنة وفي مرحلة المراهقة عن سنتين وفي مرحلة الشباب عن ثلاث سنين – تقريبا –) إلا في حالات خاصة يكون المربي على دراية بها.
o وفيما يخص الثقافة فأعني بها مستوي التعليم والإلمام الثقافي سواء في العلوم الشرعية أو في غيره، فيستحب أن يختار الأفراد متقاربين في هذا المستوى الثقافي والعلمي وألا يكون بينهم متميز تميزا يضر بالعملية التربوية ولا متخلف يتخلف عن أدائها أو يكون معوقا في الاستجابة.
o وكذلك فيما يخص الطبيعة النفسية، وأقصد هنا بالطبيعة النفسية ذلك التكوين النفسي الذي يتصف صاحبه بعدة صفات تميزه، فيستحب اختيار الأفراد ذوي الطبيعة النفسية المتجانسة والابتعاد عن ذوي الأمراض النفسية الظاهرة، خصوصا تلك التي تؤثر على أخلاقه الظاهرة وعلى سلوكه في تعامله مع الآخر كالمنطوي والعصابي وسريع الغضب وعديم التوقير وغيرهم، على أننا نشير أيضاً أن المربي قد يختار بعض الذين يشكون من صفة سلبية معينة ليكون من بين أعضاء الفريق المشارك في اللقاء التربوي المغلق بهدف علاجي خاص وموجه ولكن ليحذر من ذلك وأنصح ههنا ألا يقوم بذلك إلا المربي ذو الخبرة في تلك المجالات.
رابعاً: المادة التربوية:
تتصف المادة التربوية المبثوثة في اللقاءات التربوية المغلقة بثلاث صفات أساسية تدور حول: (مستوى التأطير ومدى التركيز وطريقة التوجيه)،
o وأقصد بمستوى التأطير ههنا أن تكون في إطار تربوي مناسب بحيث تكون مادة تربوية في إطارها التربوي المعين لها، فلا تكون مادة علمية دسمة كتلك التي تدرس في دروس العلم المتخصصة ولا تكون مادة تربوية غير منتمية، وللحرص على تأطير المادة التربوية يجب أن يحرص المربي على صياغتها انطلاقا من المادة الشرعية حيث الانطلاق من المفاهيم القرآنية والأحاديث النبوية، وأقوال الصحابة والتابعين والعلماء الربانيين، ويمكن الاستعانة بالخبرات التربوية الأخرى التي اتفق على قبولها بين أهل العلم الأثبات، وينبغي هنا الحرص على وضوح المراد من الموضوع وتبيين جوانبه التطبيقية وتوضيح سلبيات وإيجابيات التطبيق.
o وأما مدى تركيز المادة التربوية فأعني به قيمتها التربوية وكثافتها التأثيرية ونوعية اختيار مادتها من الدسامة أو الخفة ومن قوة الاستدلال أو ضعفه ومن سهولة التناول أو صعوبته حيث لكل نوعية من اللقاءات ما يناسبها من ذلك، ويرغب التربويون دائما في النوعية المركزة من المادة التربوية التي قد صيغت بدقة وحوت النفع العلمي التربوي واستخدمت المصطلحات التربوية السهلة والشائعة والمعروفة، والتي تتميز بالمنهجية والتأصيل ولاشك أن هذا أيضا قد يختلف باختلاف مستوى الأفراد في العملية التربوية.
o وأما طريقة توجيه المادة التربوية فأقصد به كيف يستطيع المربي صياغتها على شكل سهم موجه نحو عقل وقلب المتلقي بحيث تستقر في ذهنه وتؤثر في مشاعره فيسعى لتحقيق مرادها المطلوب سلوكيا، وتوجيه المادة التربوية يعتمد على توجه الكيان التربوي بالعموم والأهداف التربوية العامة وأهداف الجماعة التربوية ووسائلها المعتمدة ومنهجيتها المتخذة والتي تتصف بها وتميزها، ويرى التربويون أن هناك خطأ تربويا قد يسقط فيه الكثير من المربين، حيث يغلب عليهم توجههم الأيديولوجي المعين ونظرتهم الخاصة في توجيه المادة التربوية أثناء التدريس والتعليم فيحاول التأكيد على بعض المعاني دون بعض ويحاول صياغة بعض التوجيهات التربوية في شكل يخدم مراده مهما كان سلبياً أو يحاول أن يخفي بعض الحقائق والمعاني التربوية الأكيدة ليؤكد على مراده، كأن يخفي معالم الشورى في اتخاذ القرار رغبة منه في تسليم الأفراد لقراره الأوحد، أو يضلل معنى إبداء الرأي والرأي الآخر في أثناء حديثه عن الطاعة أو غير ذلك مما هو معروف كثير مشاهد.
طموح بلا حدود
سبق وبينا في الجزء الأول ما هو المقصود من اللقاء التربوي المغلق، وصفات القائم بإدارة هذا اللقاء، ثم تحدثنا عن اختيار الأعضاء وكيفيته واعتبارات حوله، ثم تحدثنا عن المادة المعروضة في اللقاء وملاحظات حولها، واليوم نكمل معا هذا الموضوع ونتحدث حول بعض الممارسات والاعتبارات داخل اللقاء، وهي: (بين الحزم واللين) و(عدم اتخاذ الأحكام المسبقة) و(إدارة الشورى).
خامساً: ممارسات واعتبارات داخل اللقاء:
لئن كانت الخطوات السابقة تعتبر مهمة فيما يتعلق بمنهجية ما قبل اللقاء التربوي المغلق فإن ثمة اعتبارات أخرى في غاية الأهمية داخل اللقاء، وتتوقف تلك الاعتبارات والممارسات على مدى خبرة وعلم وحكمة المربي الممارس لهذه العملية التربوية الشاقة والمؤثرة، أعني بها عملية التربية داخل المحاضن التربوية المغلقة، وأنا هنا أسوق ما يجب على المربي اعتباره وملاحظته من خلال بعض المحاذير والتوجيهات المهمة
1. بين الحزم واللين:
يحتاج المربي أثناء إدارته لتلك اللقاءات لنوع من الحزم الموجه الذي يؤتي أثارا إيجابية على الأفراد، وأقصد به ذلك النوع من الحزم الذي يغلفه المربي بالرفق بأعضاء الفريق، ويخطئ ههنا كثير من المربين فيتصورون أن شدتهم في تعاملهم تجاه الأفراد ستجلب لهم نوعا من التقدير والوقار، وأن حزمهم الشديد تجاه كل موقف وكل تصرف سينتج نوعا من الضبط داخل اللقاء، فقد كان النبي _صلى الله عليه وسلم_ هيناً ليناً سهلاً ميسراً لا معسراً، ولطالما مرت بالجماعة المسلمة في عهده مواقف حاول بعض أصحابه حلها بالشدة والقوة ولكنه كان يرفض ذلك ويتعامل بكل رفق ويسر، فأعرابي يبول في المسجد ويهم به القوم فيمنعهم ويقول لهم اتركوه ولا تزرموه ثم يناديه ليعلمه أن المساجد لم تصنع لذلك، وصحابي له سابقة خير معروفة، يخطئ في خطأ، فيهم أصحابه بقتله فيمنعهم ويقول لهم: لعل الله اطلع على أهل بدر فقال افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم، إلى غير ذلك مما هو معروف مشهور فصلى الله على خير معلم وأعظم مربي.
كما يخطئ آخرون حين يظنون أن المعاملة اللينة في جميع المواقف هي المطلوبة وأنه يجب على المربي أن يكون كفرد من الفريق ولا يتميز عنهم في شيء، فقد كان صلى الله عليه وسلم يستعمل الحزم في موضعه فهاهو يشاور الناس في الخروج لأحد، فيشيرون عليه بالخروج، ثم يعودون عن قولهم فيقول لهم _صلى الله عليه وسلم_ حازماً: "ما كان لنبي إذا لبس لامته للحرب أن يخلعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه "، وهاهو يأمر المتخلفين عن صف الجهاد في غزوة تبوك أن يعتزلوا الناس وأن يعتزلوا زوجاتهم ويستمر ذلك أياما طوالا حتى جاءهم الفرج.
ونحب هنا أن نبين أن الحزم صفة إيجابية لمن استطاع أن يطبقها كما يراد منها وأن يحصد ثمارها إذا استطاع أن يحسن زرعها، كما أن الحزم المبالغ فيه يؤدي إلى نوع من تسلط وشعور الأفراد بإدارة دكتاتورية داخل الجماعة مما يكون له النتاج السلبي على أفرادها وينبت الكره والسخط في قلوب الأعضاء تجاه مربيهم، كما أن الليونة المبالغ فيها هي أيضا نوع من الخضوع الذي يؤثر على الأفراد سلبيا ويفقدهم معيار التصويب ومقام التقدير للأكبر سنا والأكثر علما، كما يفقدهم كثيرا من الأخلاق الإسلامية المرجوة.
إذن على كل مرب داخل اللقاءات التربوية المغلقة أن يهيئ نفسه أن يكون حازما في رفق ورفيقا في حزم، فلا هو متصلب في سلوكه متشنج في كلامه، متأفف في تعليقاته، ولا هو متساهل أمام الخطأ، ولكنه يحزم عند تكرار الأخطاء ويلين عند مواقف اليسر والليونة، ونحب أن نشير أنه على كل مرب أن يعتبر الخطأ الأول دائما هو خطأ النصح والنصيحة وأن الخطأ الثاني هو خطأ التحذير والتوجيه والرفض وأن الخطأ الثالث هو خطأ العقوبة، فلا هو يتسرع في عقوبة الأشخاص من خطئهم الأول ولا هو يلين معهم عند تكراره، بل يتدرج معهم خطوه خطوة ودرجة درجة.
2. عدم اتخاذ الأحكام المسبقة والتعامل على أساسها مع الأفراد:
يقع بعض المربين المبتدئين في خطأ شهير في إدارتهم للقاءات التربوية المغلقة، حيث يتأثرون أشد ما يكون بما يرونه لأول وهلة من صفات أعضاء الفريق، فيحكمون عليهم حكما سريعا ويبقى ذلك الحكم مسيطرا عليهم فترات طويلة، فربما أخذ حكما عن أحد الأفراد أنه كثير السؤال وأخذ حكما عن الآخر أنه ذكي وعن ثالث أنه مجتهد وعن رابع أنه عبوس كريه وعن خامس أنه مجادل مراء.. إلى غير ذلك من الأحكام السريعة الخاطئة التي تتأثر بظروف مختلفة ولا يمكن أن تعتبر مجالا للأحكام.
فالفرد داخل اللقاء وفي بدايته يحمل شحنات سلبية عن اللقاء وما يمكن أن يحدث فيه، وقد يكون راغبا فيه وإنما تكون تلك الشحنات السلبية نتيجة لخفاء ما ينتظره داخل هذا اللقاء خصوصا والفرد يتأثر بالجماعة من حوله، وقد يحاول بعض الأفراد اقتناص الانطباع الأول الذي قد يدوم، فيبدون النشاط أو يبدون الذكاء أو يبدون الثقافة أو غيره، والواجب هنا على المربي أمران هامان:
o أولها: أن لا يأخذ حكما أبدا على أي فرد من الأفراد إلا بعد معايشة تامة ومواقف متعددة ومتكاثرة ومتغايرة،
o والأمر الثاني: أن يشاور في ذلك مرب آخر أو مختص آخر حتى لا يقع في التحيز، فإن خطأ التحيز خطأ معتاد من كل أحد، وقد يتأثر المربي ببعض من يشاركه في هواياته أو يوافقه في رأيه أو يبدو عليه طاعة بالغة له أو توقير شديد له أو مثل ذلك، فههنا لزم استشارة الآخرين للبيان والتوضيح ولئلا نقع في شبهة التحيز أو الحكم المسبق الخاطئ.
3. إدارة الشورى داخل اللقاء وفن البحث عن مساحات الاتفاق:
وفي اللقاءات التربوية المغلقة يتيح المربي الفرصة كاملة للتعبير عن الآراء وتبيين الأفكار المختلفة والرؤى المتباينة حول كل موقف أو مشكلة سواء كانت صغيرة أو كبيرة عارضة أو مستمرة، وقد يحلو لبعض المربين أن يصادروا آراء الأفراد بحجة أن عليهم السمع والطاعة أو بحجة عدم فتح باب الاقتراحات المتكاثرة أو مثال ذلك، وللأسف فإنني قد رأيت في بعض المؤلفات التربوية الشهيرة أن على المربي ألا يفتح أبواب الرأي في داخل اللقاء التربوي لأن ذلك يعودهم على الخلاف.. وهو رأي بالغ السوء ويدل على ضيق نظر وسوء فهم للعملية التربوية الناجحة، فإن هناك فارقا كبيرا بين التعبير الحر المنطلق بدافعية المشاركة والحرص أمام المشكلات والمواقف وبين الاعتراضات على رأي المربي وتسفيه رأي الآخر والتقليل من شأن القرار المتخذ.
إننا يجب علينا أن نربي في أبنائنا المتربين على حرية التعبير وأن نحرص على أن ننتفع منهم بكل فكرة وبكل ابتكار ورؤية وألا نحجر على فكرهم ونعلمهم كيف يشاركون في حل المشكلات ومواجهة الأزمات كل ذلك مادامت أفكارهم شرعية مقبولة ورؤاهم إسلامية حسنه، وقد سبق وبينا كيف قبل النبي _صلى الله عليه وسلم_ قول جندي فرد في جيش المسلمين – هو الحباب بن المنذر - في مسألة خطيرة في الجهاد في غزوة بدر الهامة جدا في مسيرة الدعوة الإسلامية، ولم يحجر النبي على الآراء في غزوة الأحزاب ولكنه استمع ونفذ كلام سلمان الفارسي في حفر الخندق، كما أنه استمع إلى آراء الصحابة حول مصير أسرى بدر والتي اختلفت على أكثر من أربعة أقوال واستمعها جميعا واختار منها ما رآه صوابا في ساعتها صلى الله عليه وسلم، ولاشك أن للشورى أحكاما وآدابا ليس هذا موضعها ولكنني أؤكد هنا على أهمية تعليم الأفراد أحكام الشورى وآدابها داخل كل لقاء تربوي مغلق، كما يجب أن نعلمهم واجبات الطاعة والالتزام تجاه القرار أو الرأي إذا أخذ فعليا وانتهي منه وأنه لا تردد ولا جدال في التنفيذ بعد المشاورة والمناقشة وتبادل الآراء والوصول إلى رأي مهما كان هذا الرأي مخالفا مادام قد أخذ بعد شورى صحيحة.
سبق وتحدثنا في الجزء الثاني من المقال حول بعض الممارسات التربوية المختلفة داخل اللقاء وهي [(بين الحزم واللين) و(عدم اتخاذ الأحكام المسبقة) و(إدارة الشورى)] وأوضحنا ما ينبغي أن نهتم به بخصوص كل نوع من تلك الممارسات.. واليوم نكمل حديثنا حول بعض الممارسات التربوية داخل اللقاء التربوي المغلق وهي (التأثيرات النفسية المتبادلة بين المربي والأفراد – و القدوة الحقيقية والقدوة المفتعلة.)
التأثيرات النفسية المتبادلة بين المربي والأفراد:
تعتمد الإدارة الناجحة في اللقاءات التربوية المغلقة على أمرين هامين للغاية
o أولهما هو الشفافية والنقاء النفسيين للمربي
o وثانيهما هو حسن التخلص من المواقف ذات الأثر النفسي السلبي.. فإن هناك تأثيرات نفسية تتبادل في مواقعها وآثارها بين شخصيات الموجودين في اللقاء نتيجة للتفاعل النفسي والشخصي بين الأفراد مع بعضهم البعض من جهة، وبين الأفراد ومربيهم من جهة أخرى، وقد ينتج عن هذا التفاعل آثارا سلبية أو إيجابية، فإن ردود الأفعال على المواقف وطريقة الأداء في الثواب والعقاب وأساليب الحزم والجزم وطرائق التقويم التي يمكن للمربي أن يمارسها تتكون لها بشكل مضاد دفاعات نفسية في نفس الأفراد، وكذا فإن المواقف المختلفة والناتجة عن التواجد والتنافس ومواقف التكيف المختلفة بين الأفراد كذلك ينتج عنها ردود أفعال نفسية داخلية في نفوس كل فرد على حده، وتختلف التأثيرات الناتجة سلبا أو إيجابا، ونحن هنا نهتم بأمرين في ذلك: الأول هو النتائج السلبية والثاني هو تقويم النتائج الإيجابية ومحاولة الاستفادة منها مثال ذلك:
1. إذا حاول المربي أن يعاقب أحد متربيه على سلوك رآه المربي خطأ ويراه المتربي صوابا واتخذ المربي في ذلك أسلوبا شديدا كالتوبيخ العام أمام الجميع وطلب من المتربي عدم الرد أو التبرير أو الدفاع، عندها تتكون لدى هذا الفرد مشاعر سلبية تتراكم بصورة سريعة جدا في تلك اللحظات التي يراها في تصوره أشد اللحظات سوءً وسوادً عليه داخل هذا اللقاء ويتمنى ساعتها ألا يكون قد ارتبط بهذا الجمع، بل إنه يرى كل الخطوات اللاحقة تصب في شكل سلبي تجاهه وليس الأمر في حقيقته كذلك
2. مثال آخر: إذا وقع صدام ما بين فردين من أفراد اللقاء ورأى المربي أن الصواب مع أحدهما في حين يرى البعض عكس رؤيته ومن ثم فقد اتخذ المربي بعض الإجراءات التربوية الردعية في ذلك لعدم تكرارها ووقّع بعض العقوبات على من رآه مخطئا وعلى بعض من صححوا موقفه، فههنا أيضا تتكون لدى هؤلاء الأفراد حالة نفسية رافضة للعقوبة ورافضة للرضا بالحكم الذي يرونه أقرب للظلم منه إلى العدل ومن ثم فيرفضون كثيرا مما يحدث في اللقاء من تفاعلات أخرى متأثرين بذلك الموقف الذي أنتج لديهم رفضاً كلياً أو جزئياً للقاء ومربيه بل ربما ومنهجه..
3. مثال ثالث: إذا حصل خطأ بين ظاهر من المربي ذاته مما يتفق عليه الجميع وخرج من الأفراد من ينكر عليه فعله بصورة ما فغضب المربي من ذلك وبدأ في معاملة هذا الفرد معاملة خاصة واجتنبه وبدأ في الحديث عنه بالحديث السلبي فعندئذ تهتز صورة المربي في عين الأفراد ويصبح سلوكه الغضبي المتتابع هو سلوك يصب في غير مصلحة اللقاء بل يصبح ذا أثر فاشل سلبي..
وفيما يخص النتائج النفسية الإيجابية فأضرب لذلك مثلا واحدا، إذا كان في المجموعة أحد الأفراد قد اشتهر عنه الضعف العلمي ثم إذا به يحصل على نتيجة درجات عالية في اختبار عقده المربي للجميع، وعندئذ سارع المربي بتشجيع ذلك الفرد تشجيعا كثيرا أمام الجميع وذكر كثيرا من إيجابياته السابقة وحاول أن يأخذ منه وعدا باستمرار التفوق والاهتمام بالعلم الشرعي والحفظ، فههنا حاول المربي استغلال هذا الموقف النفسي الإيجابي ليبث في الفرد هذا الشعور بالقدرة على الإنجاز في هذا المجال، فقد تكونت المشاعر الإيجابية لدى ذلك الفرد المتربي وأحب اللقاء بصورة أكبر وازداد قرباً من مربيه.. وأود أن أؤكد أن كل موقف من المواقف – السلبية - السابقة وعلى الرغم من أثره الواضح على الأفراد إلا أننا يمكننا أن نتدارك أثره السلبي بمتابعة صحيحة موجهة، وكذا فيما يخص المواقف الإيجابية فإنه يهمنا بشكل كبير أن نستغلها في تقويم وتعديل شخصيات الأفراد في المجموع... فيجب أن يتبع المربي غضبه بالحلم والكظم ثم الاعتذار، ثم يمكنه أن يتبعها أيضا ببعض المداعبات والمزح الوقورة وذكر بعض محاسن الأشخاص الذين قد وقع عليهم الموقف هذا إذا كان الخطأ من المربي نفسه أما إذا كان الخطأ من الأفراد وكان خطأ المربي في المعالجة فحسب فإن على المربي ههنا أن يتجنب المزاح والمداعبات وأن يؤكد على الصوابية في الإجراء مع توضيح وبيان عدم تعمد الأشخاص بعينهم ومن ثم يذكر بعضا من ميزات وإيجابيات الأشخاص في غير ذلك الموقف، ولكن ليحذر المربي دائما أن يتبع هذا بذاك وإنما يجب أن يفرق بين العلاج والمشكلة بعض الوقت يعطي فيها المربي الفرصة لنفسه ولغيره للمراجعة وتخطيط ما سيفعله للعلاج...
وننصح ههنا المربين بالتعامل مع أفرادهم في اللقاءات بصورة نفسية شفافة يملؤها الصفح والعفو ويغلب عليها الرحمة والغفران ويكسوها الشعور الدائم بتربية وتعليم الأفراد بعيدا عن ذاتية المربي واعتباراته الشخصية..فلكم أوذي النبي _صلى الله عليه وسلم_ من أناس خنقوه وآلموه وآذوه بالكلمات والأفعال وهو يحلم عليهم ويعلمهم، ثم يبين إنما مثله ومثل هؤلاء كرجل فرت منه دابته فجعل الناس يتبعونها فلا يزيدونها إلا نفوراً فقال لهم: خلوا بيني وبينها وأخذ من حشاش الأرض فقربه إليها فجاءت فأخذ بخطامها.
القدوة الحقيقية والقدوة المفتعلة:
يبين من خلال التعامل والتعايش بين أفراد الفريق الواحد الصفات والسمات الحقيقية التي تغلب على الأشخاص، ومن خلال التفاعل والتعامل الطويل والمتبادل يظهر حقائق الطبائع الشخصية خصوصا إذا كان يجمعهم عمل قريب قد يحتاج إلى معايشة قريبة، وههنا قد يلجأ البعض من المربين إلى إخفاء بعض صفاتهم السيئة وسماتهم المنتقدة ببعض السلوكيات والحيل المختلفة، وهم في ذلك لا يحاولون تعديل أنفسهم تعديلا حقيقيا أو علاج أمراضهم علاجا تاما، والأفراد في اللقاء دوما يشعرون بكثير مما يخفيه هؤلاء المربون من صفات شخصية قاسية أو سلبية، فهي تظهر في سقطات اللسان والفعال وتظهر حين الغضب وتظهر حين طلب البذل والمسارعة إلى العطاء وتظهر حين الاختيار بين صالح الأفراد وصالح المجموع وهكذا ورحم الله الإمام ابن القيم إذ يقول:
ومهما تكن لدى امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم
والدور التربوي في اللقاءات المغلقة لا يتحمل هذا النوع من المربين الذين يخفون تلك الصفات السلبية من الأثرة وحب الذات وسرعة الغضب والانتصار للنفس والبخل بالبذل والعجب بالشخصية وغيره، وإنما تنجح تلك اللقاءات بالمربين الذين يكونون قدوة حقيقية سواء في داخل أنفسهم أو في خارج سلوكياتهم، ولسنا هنا نزعم أن تلك عملة متوفرة من المربين إنما هم قلة ولكنهم هم الذين يستحقون اسم " المربي " أما الآخرون الذين يعلمون عن أنفسهم الحاجة إلى التقويم فأنصحهم ألا يتعرضوا للعملية التربوية داخل الفريق إلا بعد أن يقوموا أنفسهم ويربوا ذواتهم ويتقربوا إلى الله _سبحانه_ بالتوبة والإنابة والدعاء أن يجعلهم صالحين مصلحين.
|