الأولوية الثانية التي تنتظر الإسلاميين على رأس الحكم هي العمل على تعزيز الاستقلال والاعتماد على الذات، وإنهاء حالة الارتهان الاقتصادي والسياسي للغرب، فمن المعيب بحق دولة كبرى كمصر مثلاً أن تظل مرتهنةً لما يسمى بالمساعدة الأمريكية السنوية، وأن تستخدم هذه المساعدة التي هي ليست مساعدةً في الحقيقة لابتزاز المواقف السياسية، مع أن مصر تمتلك من الإمكانيات المادية والبشرية ما تستطيع أن تحقق به اكتفاءً ذاتياً، وأن تكون يدها هي اليد العليا وليست اليد السفلى، والتحرر الاقتصادي ضروري للتحرر السياسي ولاستعادة المكانة الإقليمية والدولية، لذلك فإن من الأولويات الملحة في المرحلة القادمة هي العمل على إشاعة ثقافة الإنتاج، وأن نأكل مما عملت أيدينا، وليس مما يلقى إلينا من فتات..
نعلم أنها مهمة ليست يسيرةً فهناك الكثير من العقبات، والغرب الاستعماري الخبيث يدرك جيداً خطورة تحرر العرب اقتصادياً وسياسياً على مستقبل هيمنته على العالم، وقد عمل طوال المرحلة السابقة على تعميق حالة الاعتماد عليه في كافة مناحي الحياة الثقافية والاقتصادية والإعلامية والسياسية، لكنها مهمة ليست مستحيلةً أيضاً، وهي جهاد الساعة الذي ينبغي أن تتضافر كل الجهود من أجل إنجازه..
كذلك فإن من الأولويات التي ينبغي أن يعمل الإسلاميون عليها هي تعزيز حضور الهوية الإسلامية والعربية في المجتمعات في مجالات الإعلام والثقافة ومناهج التعليم، وعلى مكافحة مظاهر التغريب والسفور والانحلال الأخلاقي،
وليس من الحرية في شيء أن يطلق العنان للترويج للرذيلة والفساد والانحلال، فالحرية التي ندعو إليها ونطالب بالعمل على تعزيزها في المرحلة القادمة هي الحرية الفكرية والسياسية والعقائدية، وليست حرية الإباحية والفساد الأخلاقي..
والجماهير عطشى لكل ما يذكرها بتاريخها وقيمها الإسلامية، وما ينبغي أن تصل حالة التماهي ومحاولة استرضاء الآخرين من قبل فريق من الإسلاميين أن يخلعوا ثوبهم ويميعوا مبادئهم لإظهار أنفسهم بأنهم عصريون، فالجماهير تحترم من يعتز بهويته أكثر ممن يتخلى عن هذه الهوية، وهنا أقتبس كلمةً لرجل من خارج صفوف الإسلاميين وهو الدكتور عبد الله الأشعل الذي قال: "يجب على النظم الإسلامية أن تحترم هويتها وألا تصلَ مرونتها إلى حد الخروج من ذاتها؛ لأن الشعوب سوف تختار هذه القوى الإسلامية بناءً على فكرها المستنير وعلى ضمان استقلال بلادها وتحقيق العدالة فيها، وتلك هي المعضلة التي يواجهها الغرب".
هذه الأولويات هي أمثلة لما ينبغي أن تكون عليه طبيعة توجه الإسلاميين بعد إمساكهم للسلطة، وهي أولويات أظن أنها مقدمة على ما يسارع لطرحه الشباب المتحمس من الدعوة إلى فرض المظاهر الإسلامية، أو إعلان إسلامية الدولة، فمعالجة الجذور والأسباب أهم من معالجة المظاهر، والعبرة ليست بالشعارات بل هي بالعمل المتدرج الواعي..
والله الهادي إلى سواء السبيل..